الغزالي
88
إحياء علوم الدين
وأنّ أحدا لا يقدر على أن يضره ولا ينفعه ، وعبد سقطت نفسه عن قلبه ، فلا يبالي بأي حال يرونه . وقال الشافعي رحمه الله : ليس من أحد إلا وله محب ومبغض ، فإذا كان هكذا فكن مع أهل طاعة الله . وقيل للحسن يا أبا سعيد ، إن قوما يحضرون مجلسك ، ليس بغيتهم إلا تتبع سقطات كلامك ، وتعنيتك بالسؤال . فتبسم وقال للقائل : هون على نفسك فإني حدثت نفسي بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن فطمعت ، وما حدثت نفسي بالسلامة من الناس ، لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم . وقال موسى صلَّى الله عليه وسلم : يا رب احبس عنى ألسنة الناس . فقال يا موسى هذا شيء لم أصطفه لنفسي فكيف أفعله بك ! وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى عزير : إن لم تطب نفسا بأنى أجعلك علكا في أفواه الماضغين ، لم أكتبك عندي من المتواضعين . فإذا من حبس نفسه في البيت ليحسن اعتقادات الناس وأقوالهم فيه ، فهو في عناء حاضر في الدنيا * ( ولَعَذابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * « 1 » فإذا لا تستحب العزلة إلا لمستغرق الأوقات بربه ذكرا وفكرا ، وعبادة وعلما ، بحيث لو خالطه الناس لضاعت أوقاته ، وكثرت آفاته ، ولتشوشت عليه عباداته . فهذه غوائل خفية في اختيار العزلة ، ينبغي أن تتقى ، فإنها مهلكات في صور منجيات الفائدة السابعة التجارب . فإنها تستفاد من المخالطة للخلق ومجاري أحوالهم . والعقل الغريزي ليس كافيا في تفهم مصالح الدين والدنيا . وإنما تفيدها التجربة والممارسة . ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب . فالصبي إذا اعتزل بقي غمرا جاهلا . بل ينبغي أن يشتغل بالتعلم ، ويحصل له في مدة التعلم ما يحتاج إليه من التجارب ، ويكفيه ذلك ، ويحصل بقية التجارب بسماع الأحوال ، ولا يحتاج إلى المخالطة . ومن أهم التجارب أن يجرب نفسه وأخلاقه وصفات باطنه . وذلك لا يقدر عليه في الخلوة فإن كل مجرب في الخلاء يسر ، وكل غضوب أو حقود أو حسود إذا خلا بنفسه لم يترشح منه خبثه
--> « 1 » الزمر : 26